هاشم معروف الحسني
187
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
يتكلم بزمزمة الكاهن وسجعه ، واقترح آخرون ان يتهموه بالجنون ، وآخرون بالسحر ، والوليد لم يرتأ شيئا من ذلك ، واختار لهم ان يقولوا للناس : انه ساحر في بيانه يفرق بين المرء وزوجته ، وبين الانسان وأخيه . وانطلقت قريش في الموسم تحذر الناس من الاستماع إليه والاصغاء لقوله حتى لا يصيبهم ما أصاب المكيين من الانقسام ووجدوا ان دعوتهم هذه لم تفلح فلجئوا إلى أسلوب آخر وهو الحديث عن الأمم السابقة وعباداتها وآرائها في الكون والخير والشر ، ووجدوا شيئا من ذلك عند النضر بن الحارث ، وكان قد وفد على الحيرة واختلط بالفرس وملوكها وتعلم منها اخبار الملوك وآراء الفرس في الكون والخير والشر ونحو ذلك ، فأعدته قريش لأن يجتمع بالناس في الموسم وغيره ويحدثهم بذلك في مقابل محمد وأحاديثه عن الأمم والجنة والنار ، فأخذ كلما جلس محمد في مجلس يدعو فيه إلى اللّه ويحذرهم مما أصاب السابقين باعراضهم عن رسله وتعاليمهم ، كلما جلس محمد في مجلس وحدث بهذا النوع من الأحاديث جاء النضر وجلس يحدث ويقص على قريش اخبار الفرس وأديانهم وتاريخ ملوكهم وحروبهم ثم يقول للناس : أترون محمدا يحدثكم بأحسن من هذه الأحاديث ، أليس هو يتلو من أساطير الأولين وانا اتلو منها ، أترون محمدا يستحق النبوة بذلك وقريش تذيع أحاديثه وأساطيره بين الأعراب ووفود الحجاج في الموسم لتصرف بذلك الناس عن دعوة محمد ( ص ) . ولكن دعاية كهذه وأمثالها مهما كان نوعها ومهما أوتي القائمون عليها من المقدرة والبيان ، لم يكن في مقدورها ان تقاوم دعوة محمد وسحر بيانه وايمانه العميق بما يدعو إليه ولم يكن لدعوة محمد ( ص ) تلك الآثار المدهشة ، لأنه كان يحدث عن أساطير الأولين واخبار الماضين ، بل كان لها اثرها على النفوس والعقول ، لأنها تدعو إلى دين يسمو بالنفس الانسانية إلى الذروة لتتصل بالوجود كله صلة خير ومعروف ورحمة ، ولتتصل باللّه سبحانه عن طريق التقوى والعمل الصالح وحب الخير لجميع الناس وإحقاق الحق